عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

518

اللباب في علوم الكتاب

في كمّه فيفقدها فيروع لها فيجدها في ضبنه حتّى إنّ المؤمن ليخرج من ذنوبه ؛ كما يخرج التّبر الأحمر من الكير « 1 » . وعن أنس بن مالك ، عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنه قال : « إذا أراد اللّه بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدّنيا ، وإذا أراد اللّه بعبده الشّرّ أمسك عليه بذنبه حتّى يوافيه به يوم القيامة » « 2 » . فإن قيل : كيف تحصل المؤاخذة في الدّنيا مع قوله : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ غافر : 17 ] . قلنا : هذا خاصّ ، فيقدّم على ذلك العامّ . الخامس : أنه - تعالى - قال : « يحاسبكم » ولم يقل : « يؤاخذكم » وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، ومن جملتها كونه عالما بها ، فيرجع معنى الآية إلى كونه عالما بكلّ ما في الضّمائر والسّرائر . والمراد من المحاسبة : الإخبار والتّعريف . ومعنى الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه ممّا أضمرتم ونويتم ، يحاسبكم به اللّه ، ويخبركم به ، ويعرفكم إيّاه ثم يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله ، ويعذّب الكافرين إظهارا لعدله . وهذا معنى قول الضّحّاك ، ويروى عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - ؛ يدلّ عليه أنّه قال : « يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » ولم يقل : « يؤاخذكم » ، والمحاسبة غير المؤاخذة . وروي عن ابن عبّاس أنه - تعالى - إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ويعفو عنه ، وأهل الذّنوب يخبرهم بما أخفوا من التّكذيب والذّنب « 3 » روى صفوان بن محرز قال : كنت آخذا بيد عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - فأتاه رجل ، فقال : كيف سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يقول في النّجوى ؟ قال : قال رسول اللّه -

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود الطيالسي ( 1583 ) وأحمد ( 6 / 218 ) والترمذي ( 4 / 78 - 79 ) والطبري في « تفسيره » ( 6 / 117 ) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ( 2 / 85 ) والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 9809 ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 663 ) وزاد نسبته لابن المنذر . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2396 ) والحاكم ( 4 / 608 ) والبغوي في « تفسيره » ( 1 / 312 ) عن أنس بن مالك . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وأخرجه ابن عدي ( 3 / 1192 ) عن أبي هريرة . وأخرجه هناد بن السريّ في « الزهد » عن الحسن مرسلا كما في « كنز العمال » ( 11 / 102 ) رقم ( 30800 ) . ( 3 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 7 / 110 ) .